خَشَبَةُ إِصْلاحْ
على مر العصور أبت الانسانية إلا أن يكون لها صوت يصرخ برسائل البشرية و نافذة من خلالها يطل العالم بأسره على أسرار هذا الكون ومأوى يحتضن الناس بمختلف أطيافهم يصنع للحياة معنى جميلا و يضيف رونقا فكاهيا مرحا يكسر رتابة الحياة و قساوة المحيط بأسلوب فني ابتكاري. من هذا المنظور، ارتأت المجتمعات أن تنطق معبرة عن ما بداخلها و ما بمكنونها و ما بضمائرها حول أمور حياتها و أمور أممها بأسلوب لا يزيد من صلابة الحدث و جفائه أي شدة، بأسلوب يصل من خلالها الرأي العام دون أي تحريف و تشويه، بأسلوب يجعل من الفساد المحيط موضوع مرحٍ و ضحك، بأسلوب يدفع باتجاه الاصلاح و التوجيه و الارشاد، و بأسلوب ينطق بالحق و يدحض الباطل فكان الحل و المخرج هو "المسرح" أبو الفنون و أولها. فقد كان المسرح نعم المساحة التي جمعت كل تلك الأمور، فكان خير ملتقى للنخبة المثقفة من أدباء و فلاسفة و كتاب ومؤلفون وممثلون ومخرجون و كتاب رأي و مهتمين بالرأي العام و ناشطين في قضايا الاصلاح، و كان نبراس حق يهتدي بنوره من هم في دائرة القرار و السلطة. كان هؤلاء النخبة يبعثون من خلال تلك الخشبات بباقة من الفنون الجميلة و الرسائل كثيرة المضامين الممتزجة بإبداع يصل إلى جيل بعد جيل. منذ أن بدأ الرومان و إلاغريق بتأسيس الحركة المسرحية و إلى واقع المسرح اليوم كان للمسرح دورا شديد التأثير في حياة المجتمعات و الدول، يفجر ما بداخل الشعوب من مشاعر و أفكار و توجهات تجاه ما يمر بالبشرية من أحداث، كان المسرح صاحب رسالة سامية ومركزا للإصلاح و مرآة عاكسة لتلك المجتمعات على إختلاف ثقافاتها وعروقها و عاداتها و تقاليدها و معتقداتها فهو المنبر الذي يصدح من عليه المبدعين مرسلين أفكار المجتمع و توجهاته بأسلوب فني درامي مبتكر.
حقيقةً، لم يختلف المجتمع الكويتي عن نظيره من مجتمعات البشر فقد كان للمسرح الأهمية البالغة في حياة مجتمعه المليء بالأفكار و الثقافات فلم يختلف أحدا على أهمية وجود المسرح في حياته. فعلاقة الفرد الكويتي بالمسرح تجسد أحد أقدم العلاقات في تاريخ الكويت الحديث، فقد تجسدت تلك العلاقة منذ المراحل الأولى في حياة المواطن الكويتي عن طريق الأنشطة المسرحية التي كانت متواجدة في المدارس والأندية الثقافية و جمعيات النفع العام و المسارح الشعبية. وكان لتميز الرسالة الفنية و مضمونها الفعال المقدم في المسرح الكويتي آنذاك و استقطابها للمواهب و تشجيع الحركة الثقافية في المجتمع الأثر البالغ في رقي أداء و مستوى الطرح الفني والثقافي في المسرح الكويتي، فقد كان المسرح الكويتي النافذة التي يطل من خلالها أبناء الشعب بأفكارهم و آرارئهم حول جميع ما يدور من حولهم في الميادين المختلفة السياسي منها و الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و التربوي. اختلفت الرسائل التي قدمها المسرح الكويتي في السابق باختلاف البيئة السائدة و القضية المطروحة شعبيا في وقتها، منها من جسد أزمة الاقتصاد الكويتية الاولى بأسلوب كوميدي تحت عنوان "فرسان المناخ"، و منها من انتقد "هبة" بعض كبار السن في منتصف الثمانينات بمدينة بانكوك تحت عنوان "هلو بانكوك"، و منها من انتقد الآباء و الأمهات لتقصيرهم في تربية أبنائهم تحت عنوان "لولاكي" و غيرها العديد العديد من المسرحيات التي لم تخلوا من الأهداف و المضامين الأصيلة التي من أجلها الاصلاح و الارشاد.
و لكن… حصل ما لم يكن متوقع…
خيمت غيمة سوداء على هذا الجمال الفني، حدث ما لم يكن مرغوب، ابتلي المسرح بمرض مزمن لم تفلح به العلاجات. تساؤلات كثيرة خيمت على أذهن المتابعين و أبناء هذا الصرح المعتل. إنه أمر محزن و مؤلم، من كان ليتوقع أن يكون المسرح الكويتي قائد الحركة الفنية في الخليج مخرجا لعمل لا يرقى إلى حتى أن يدعى بفن من أين جاءت تلك الغيمة السوداء التي تخيم على المسرح الكويتي في الوقت الحالي؟ هل سيكون لها ذهاب قريب؟ ما الذي أدى إلى حدوث هذا الشرخ الفني؟ هل تغيرت القناعات؟ هل نحن نتخيل الوضع بأنه مزري أم إنه الواقع؟ لماذا اختلف الذوق العام لدى المتلقي؟ لماذا هذا العزوف عن المسرح الجاد و اقتصار تواجده فقط في بعض المهرجانات المسرحية المفتقرة للدعم والحضور الإعلامي؟ ما الأسباب التي أدت إلى غياب أعمدة المسرح الكويتي من كتاب و فنانين و مخرجين؟ أين هي الحكومة من هذا التراجع في الأداء و ما هو سبب اهمالها لهذا الجهاز الحساس؟ أين هم ممثلي الأمة؟ هل المسرح الكويتي ليس الوسيلة المكسبة انتخابيا؟ ما سبب انتهاء الدور الذي لعبه المسرح كمعاون في تصحيح أداء المجتمع و توجيهه؟ لماذا أصبح الربح المادي هو الدافع وراء اقامة المسرحيات؟ لماذا طغت ثقافة الاستهزاء و السخرية على أداء المسرح؟ هل اختلفت الأذواق الشعبية بين الأمس و اليوم أم ماذا؟ باختصار شديد ما الذي حصل؟؟؟
إن ما تعانيه الساحه الفنية و خصوصا المسرح الكويتي لهو جرح عميق في قلب الحركة الفنية الكويتية يحزن كل من يعيه و يستوعبه، فبعد أن كان المسرح مرآة عاكسة للمجتمع و آرائه و مركزا للإصلاح الوطني والثقافي والإجتماعي و السياسي أصبح المسرح اليوم ساحة تفاهات و سخرية لا ترقى بأن تكون حتى حديث مجالس ، فقد أصبح أسيرا لرسائل بلا هدف أو غاية ترجى، فشاب على خشباته الإستهزاء والتجريح متحولا بذلك إلى مسرح تجاري و مادي من الدرجة الأولى غير مكثرث برسالة الفن الأساسية التي كانت وراء وجوده بل إنه أصيح مرتعا للسفهاء زارعا للتفاهة. لم يعد نبراس الحق الذي يهدي، بل إنه أصبح الداء الناشر لثقافة السخرية و النقد و التجريح الغير هادف. فوق كل هذا الألم تخلى المسرح اليوم عن أسمى أدواره و هو أن يكون باحث الروح الفنية للمجتمع.
فلذلك…
لما كان المسرح هو مرآة الشعوب الفنية…
لما كان الفن هو باعث الامل و الطموح نحو الأفضل…
لما كان المسرح الكويتي هو صوت الشعب الكويتي…
لما كانت الرسالة المسرحية باعث إصلاح و توجيه…
لما كان المسرح الكويتي رائد الحركة الفنية في الخليج العربي…
لما كانت الوعكة التي ألمت بالمسرح مؤلمة و محزنة للشعب الكويتي…
لما أصبحت الخشبة المسرحية ساحة للتفاهة و السخرية…
لما كانت رغبتنا في كويت أفضل في مجتمع أفضل و في مسرح أفضل..
فإننا نعلن من منطلق إيماننا بأهمية المسرح و دوره في مجتمعنا الكويتي و إحساسنا بالواقع الأليم للحركة المسرحية الكويتية، و لما كان المسرح مناره للفنون وستارة تخفي من وراءها قضايا إنسانية هادفة، أبت نبراس إلا أن تتبنى القضية المسرحية في الكويت لهذا العدد، باحثة عن إجابات لأسئلة حارت في نفوس أبناء الوطن عن الواقع المسرحي المؤسف، اليوم نجتهد في البحث عن الحلول الهادفة إلى إعادة الكويت إلى مركزها الفني والمسرحي المتميز في المنطقة. نطل عليكم اليوم و الأمل والطموح يملؤ أفئدتنا لعودة كويتنا الحبيبة أرضا للفن و الثقافة و الأدب، وإننا على ثقة بأن شمس المسرح الكويتي ستصطع بعزم أبناءها مهما طغت وكثرت المصاعب.










والله الموضوع شيق وجاد وهادف. واتمنى لو تقوم المجلة وتعمل لقاء مع احد المسرحيين الكبار للاستفسار والسؤال عن الوضع المؤسف اللي حل بالمسرح.
قضيه مهمه و مؤثره في مجتمعنا بعد آن اهمل دور المسرح، هذا الصرح اللذي كان للمجتمع الكويتي متنفس للتعبير و تحريك قضايا المجتمع.
شكرا يا نبراس لتبنيكم هذه القضيه بعد آن آهملت.
محاربة حرية التعبير أخذت اشكالا عده وما توصل له المسرح الجاد هو أحد نتائج تلك المحاربه، وكانت النصوص المسرحية جميعها مجازة من وزارة الإعلام و مع ذلك كان هناك رقابة من التكتلات الدينية التي فرضت هيمنتها على الساحة الكويتيه الثمانينات إلى إن اجهزوا على المسرح الجاد، واليوم نحاسب الحكومة على تقصيرها في الجانب الفني الذي يعكس مدى وعي الشعوب يمثلها في أحسن صورة من خلال عمق القضايا التي يطرحها وليس من خلال مدى التهريج فيها، واليوم نأسف لأن المسرح يعكس صورة شعب مهرج بدل تلك الصورةالتي كان يعكسها المسرح الجاد، شاكر لكم طرح هذه القضية على خشبة الإصلاح.
تحية لقلمكم الهادف هذي المواضيع تحتاج توعية شاملة لكل فئات المجتمع…
شكر خاص لنبراس والقائمين عليها