Login Subscribe

ثورة أم ثروة على الدين؟

ثورة أم ثروة على الدين؟

محمد بوهناد

بولدر، كولورادو

 

 

 

إن أمتنا تواجه نوع من أنواع التناقضات المميتة التي باتت تمزقها إلى مئة قطعة وقطعة وكل قطعة تقطع مئة قطعة وقطعة أخرى، لعل هذه التناقضات التي تقضي على روح الأمة ظهرت بشكل ملاحظ منذ دخولنا إلى القرن العشرين ومحاولات أبناء هذه الأمة الحثيثة للتوفيق بين ما نستحدثه من عادات وتقاليد ونمط حياة على شاكلة الحياة الأجنبية ولا سيما الحياة والعادات الغربية وبين عاداتنا وتقاليدنا والنمط الذي عشنا أو عاش عليه الأجداد. نعم هذا ما نسمعه كل يوم وكل ساعة سواء على الفضائيات أو على منابر العلم والمساجد وحتى في مدارسنا، رغم أن الحديث عن حياة التناقضات هذه لا يكشف لنا إلا وجه واحد من الحقيقة والوجه الآخر دائما يبقى مخفيا، إني أرى أن أكبر خطر نواجهه اليوم هو خطر استخدام الدين بطريقة سلبية وهذا بطبيعة الحال يرجع الى طبيعتنا وغريزتنا الإنسانية، حيث إننا دائما نحب أن نبقى على ما ورثناه وتعودنا عليه حتى لو لم يمت للدين بصلة، وحيث يقول لوبون:"الأمة تحركها أمواتها أكثر من أحياءها"، ورغم أن الإسلام انتقد العرب الوثنيون حين كان جوابهم {نتبع ما ألفينا عليه آباءنا } وقد حذر الإمام علي كرم الله وجهه الأمة حيث قال:لاتعلموا أبناءكم على عاداتكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم، أما آن لنا أن نعترف بأن كل ما خطونا خطوة إلى الأمام ظهر لنا العفريت عادات وأخيه تقاليد؟ أم أن نسميها بالأحرى قيود وسلاسل؟

إن من الصعب علينا أن نتبنى معتقد سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي جديد لأنه يتعارض مع ما ألفينا عليه من عادات وتقاليد وهذه هي الطبيعة الإنسانية، على سبيل المثال رغم أن العمل أصبح حاجة ملحة على كل فرد في المجتمع سواء على الرجال أو النساء فإننا نواجه بعض الأحيان تصدٍ حاد من قبل بعض علماء الدين عند التحدث عن مشاركة المراة في العمل أو السماح لها بالقيادة لتسهيل تنقلها وعملها وقد تفاجأت الجماهير عن سماع أحد المشايخ يبيح دم كل من ينادي بالاختلاط! وآخر يطالب الحكومة السعودية بأن تهدم الحرم الشريف وتبني قسما للنساء وآخر للرجال! وآخر من مصر دولة الأزهر الشريف يبيح لقائد الطائرة أن يزني بالمضيفات إن كانت الرحلة طويلة! إن هؤلاء المشايخ الذين نحسن الظن بهم ونكن لهم كل الاحترام والتقدير والشكر نفسهم تصدوا حتى للعلم الذي نتباهى به اليوم، فرغم أن ديننا أكثر الديانات التي تقدس العلم وتحث على تعلمه إلا أن مشايخ و طلبة العلم الديني في نجد كفرت من يتعلم الجغرافيا والانكليزية والفلسفة والطب وغيرها من العلوم في ثلاثينات القرن الماضي، وحتى وصل الأمر الى التشكيك في نزاهة الملك عبدالعزيز، فكان قد كفر من ادعى أن الأمراض تأتي من جسيمات صغيرة تدعى الجراثيم، وحرم التلفاز والراديو – صندوق الجن – وحرمت الديموقراطية كونها كفر وهرطقة يونانية، وبعدها ننصدم بأن يتحول الحرام كليا إلى حلال مباح على الجميع حيث أن أبناء المشايخ أصبحوا ينضمون إلى المدارس العلمية ومنهم من اشترى الراديو والتلفاز بعد أن كانا صناديق تحضر الجن! أقرب مثال إلى أن رئيس الهيئة في السعودية ظهر قبل أيام يبيح الإختلاط!

إن الأمة اليوم تواجه صراع داخلي عنيف قد يهدد ثوابتها فليس كل ما هو جديد يجب أن يحرم ويستنكر ويكفر ثم يرد، فمن الذي أواجهه اليوم في مجتمعي و عند أمتي أن أبسط الأشياء حرام على سبيل المثال الأغاني (بغض النظر عن كونها حرام أو حلال) لكن على الأقل أحد التفسيرات تحرمها ومع هذا فإن الكل أو الغالبية العظمى تسمعها والكثير من أصحاب الأمر يباركها، وحتى لو كانت حلالا (الأغاني) فأنا تربيت ونشأت على أن أي علاقة غير شرعية بين المراة والرجل فهي "عيب" ومع هذا أغلب الأغاني تتحدث عن هذه العلاقات بل وصل الأمر حتى الطفلة أو الطفل الذي لم يبلغ العشر سنوات ينشدها ويغنيها، وكشاب فإن ما تعلمته أن الأمانة والنزاهة هي من تجلب للمرء الاحترام في المجتمع، وللأسف نرى أن الأمانة وغيرها من الأخلاق اللماعة أصبحت لغة ميتة وأن الواسطة والنفاق هي اللغة الحية،هذا نوع من أنواع التناقضات التي نواجهها اليوم وكل يوم فما كان بالك لو كان باسم الدين؟! وكثيرة هي تلك التيارات والاحزاب التي تتنطع بالدين ولكن خدمته تكون في أسفل قائمة أهدافهم الحقيقية فهي بعبقرية كذابة "ثروة على حساب الدين" نعم فإن الأمة تواجه تناقضات عدة وصراعات شديدة وعنيفة داخليا وهذا ما أخشاه لأنه يقوض من أعمدة هذه الامة، إن كل كلمة وفتوى وفكرة ينطق بها الشيخ أو الأمام إن كانت خطأ وبعيده عن الصواب – للأسف – فإنها تحسب للدين أيضا.

أخيرا إن ديننا صالح لكل مكان وزمان إذا اهتممنا به وأعدنا النظر بنصوصه المرنة والدليل على هذا أن الامام الشافعي -رحمه الله – كان له فقهان ، فقه لأهل مصر وفقه لأهل العراق وهذا ليس تناقضا منه لكنه رأى بأن ما يصلح لأهل مصر ليس بالضرورة يصلح لأهل العراق، إن علماء الدين قديما كانوا دؤوبين على تقديم الدين الحنيف بصورة تكون صالحة لزمنهم وظروفهم، لا نطالب بتغير القرآن أو السنة اأو أحد الثوابت الخمسة! إن كل ما نطلبه – إن كان مسموح – تقديم و اختيار أفضل التفسيرات التي تناسب عصرنا هذا ، ودراسة الأفكار والمعتقدات الحديثة وغيرها بجدية والنظر إن كانت تناسب حالنا وإذا ما كنا بحاجة لها ثم الحكم عليها حتى لا نصاب بفاجعة الحرام اليوم والحلال غدا، فقليل هم من المشايخ اليوم لا يؤيدون الديموقراطية مثلا، ولكن بالأمس جموع غفيرة كانت تحرمها وتكفرها، وحتى لا نتوه في هذا الحديث فإني أرى بأن هناك مهمة صعبة على العلماء اليوم تستلزم منهم كل جهودهم حتى لا ينسب الخطأ للدين عن طريق الخطأ ! وحتى لا تسأم منهم الجماهير ولا تلبي لهم بال .. فهل حقا سيكون هناك توفيق ما بين الدين والدنيا اليوم؟ أم سيكون كما كان دوما ثروة على حساب الدين؟ أم سننتظرعن قريب ثورة على الدين على المنهج الاوربي؟

Share and Enjoy:
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • email
  • Print
  • TwitThis
  • MySpace

6 Responses to “ثورة أم ثروة على الدين؟”

Leave a Reply