الحق دولة و الباطل جولة

إن التمسك بالدستور و صيانته من العبث كان و لا زال هو صمام الأمان الذي يحمي بلدنا و شعبها. فمن خلاله استلهم الشعب الكويتي معاني العدالة و المساواة التي رسمت له مفهوم الوحدة الوطنية و التي وطدت الشعور بالإنتماء إلى المجتمع و الأرض و الوطن، و من خلاله تنفس الأنسان الكويتي كرامته البشرية بتشربه و باكتسابه من غير وصاية معاني الحريات و الديمقراطية. إن دستور دولة الكويت هو السور الذي حمانا و ضمنا و جمعنا و وحدنا تحت راية واحدة ألا و هي راية الوطن. فإصدار الدستور لم يكن نتاج فراغ بل إنه كان خطوة نحو صقل الانسان الكويتي و مفاهيمه الوطنية، نحو هيكلة مجتمع مدني قائم على احترام الآخر، نحو تدوين ممارسة ديمقراطية على ورق بعد أن كانت جزءا تاريخيا مُسَلمٌ به منذ تأسيس دولة الكويت، نحو خلق جو من التفاهم و الترابط و الأخوة بين جميع شرائح المجتمع، نحو تعزيز مفهوم المواطنة و الولاء للأرض و المجتمع و الوطن بدلا من أن تكون الولاءات قائمة على أفراد أو طوائف أو قبائل، و فوق ذلك كله أن الدستور كان إحقاقاً للحق و نصرةً للوطن و الشعب.

في تاريخ الكويت محطات سوداء تدمع لها أعين الوطن. فقد شهد تاريخ الوطن انقلابات على الدستور الحامي للكرامات و الصائن للعدالة و المرسخ للحريات. من ينسى كيف كانت جريمة الديمقراطية في 1967 عندما دنست نقاوة الحق بتزوير الانتخابات في مشهد يخرج عن منطق العقل السليم؟ من ينسى كيف كان الانقلاب الشنيع الأول على الدستور في 1976 عندما كممت الأفواه و قمعت الحريات و طمس الحق؟ من ينسى مرارة الانقلاب الفظيع الثاني على الدستور و الذي كان الاعتداء الأكبر على شرعية البلد؟ من ينسى نادي الاستقلال أسير الانقلاب على الدستور الذي نطق حقا فأغتيل؟ ففي ذاكرة الوطن آلام و كوابيس ولدت باطل و قتلت حق. في الحقيقة، أثبتت لنا التجربة السياسية الكويتية أن مهما ساء الوضع العام الذي يعيشه المجتمع يبقى التمسك بالدستور و احترام شرعيته هو شاطئ الأمان الوحيد. قد يأتي الفساد السياسي بنتائج ظاهرها طيب و لكن باطنها قاتل مدمر. فالحق أحق أن يتبع بحفظنا و صيانتنا للدستور و القانون من العبث و الايمان و التيقن من أن كرامتنا كبشر هي حق مكتسب و ليس منة أو فضيلة من كائن من كان.

قضية نادي الاستقلال كانت هي نقطة البداية لنبراس الحق في اتجاه نصرة الدستور و القانون. إنها تتعلق بقضي خرق نصوص دستورية و انتهاك لمبدأ المشروعية. كان تبني نبراس لهذه القضي في العدد السابق نتيجة إيماننا اللامحدود في أهمية الدستور كإطار حافظ للحق، و لأيماننا بأن الحريات هي وثيقة الاعتراف بكرامة المواكن الكويتي و إنسانيته و لأيماننا بدور جمعيات النفع العام و النقابات كعامل مساعد في ترسيخ و صقل الممارسة المدنية الديمقراطية السليمة. و لله الحمد أيقنا أن هذا المنطلق و هذه القناعة لم تكن مقصورة على نبراس الحق فقط بل إنها كانت انعكاسا لرؤية و لصوت الكثير من أبناء الوطن الذين يؤمنون بأن الدستور هو الوثيقة الخالدة. منذ تاريخ صدور العدد السابق و إعلان نبراس تبنيها لقضية نادي الاستقلال و لم تهدأ المراسلات و المكالمات الهاتفية المشيدة بالقضية و المعلنة لتأييدها المطلق لنداء نبراس بدءا من الوسط الطلابي هنا في أمريكا انتقالا إلى الوسط الشعبي في الكويت و خارجها. رأينا فوجا وطنيا يصرخ مناديا بنجدة أسير الانقلاب على الدستور نادي الاستقلال ممتدا من الكويت إلى أمريكا. فبعد العدد السابق بأيام رأينا مشهدا ديمقراطيا لم نكن نتوقعه، فقد فرحنا كثيرا لرؤيته و سعدنا له. كان المشهد هو تقديم 29 نائبا ممثلا عن الأمة اقتراحا برغبة يقتضي بإعادة اشهار نادي الاستقلال و الغاء قرار حله. كان هؤلاء التسع و عشرون أصوات ناطقة بضمير الشعب و الوطن، فلهم كل الشكر والفخر مع علمنا بأن الواجب الوطني لا يشكر عليه. إن هذا المشهد يؤكد لنا ما تقدم حول أن الالتمام تحت راية الدستور جوهره تحقيق الوحدة الوطنية، فقد كان هؤلاء التسع و عشرون نائبا ممثلين لمختلف الشرائح و الطوائف و التيارات و التوجهات التي تمثل الشعب الكويتي. حقا تجلت الوحدة الوطنية لنصرة الدستور. في الحقيقة، كان هذا الحماس الشعبي للقضية و هذه المشاهد المتتالية و المطالبات المستمرة إلى لحظة صدور هذا العدد بإعطاء القضية وزنا أكبر هو ما دفعنا إلى الاستمرار بالتمسك بهذا الملف لعدد آخر. و نحن بدورنا لا نقبل على أنفسنا إلا أن نكون منبرا ناطقا بالحق ناصرا له. فنحن نعد أن يكون هذا العدد هو الصرخة الكبرى لنجدة أسير الانقلاب على الدستور إحقاقا للحق و إزهاقا للباطل. فالحق دولة و الباطل جولة.


