Login Subscribe

هكذا تكلم آدم

 

هكذا تكلم آدم

 

محمد بوهناد

بولدر، كولورادو

 

 

" نحن لسنا صادقين تماما إلا في أحلامنا "، فريدريك نيتشه صاحب "هكذا تكلم زاردشت"، في الواقع تصيبني العبثية بمجرد الولوج في بؤرة تعج بالمعرقلات والمشاكل وهي فكرة الوجود البشري نفسه، لكنه قد يبدو غريبا بعض الشيء قول صاحبنا هذا نيتشه، لكنه ألى الذهن أصدق من الواقع، فمنذ وجودنا على هذه المسمية بالأرض بل وقبل طرق آدم لأرجله عليها ونحن موسومون بالعنف والقتل بأبشع صورة، لذلك استغرب الملائكة أنفسهم كوننا خلفاء لله عليها، فنحن بشر لذلك نميل إلى العيش بمجتمعات معينة، وبحسب تعبير أرسطو: "الإنسان حيوان اجتماعي"، ويصعب علينا العيش بالوحدة والوحشة والغاب كما فرط وبالغ في رومانسيته ديفد ثورو، فالمراقب المحايد للتاريخ البشري كله منذ أن سُمي تاريخا يرى بأن هذه المجتمعات ما انفكت عن العنف والدمار والحروب ، فإلياذة الإغريق تبدو إلى الذهن، وصيحات الرومان وهتافهم للمقاتلين في الحلبة تصم وتصقع الأذن، مرورا بمجازر بابل و نبوختنصر، والتضحيات البشرية للآلهة لدى فراعنة مصر، وسومر وطغيان وعتو ملوك وجبابرة فارس، وحتى تاريخنا العربي الإسلامي لا يخلو من الجلد والقتل والسمل والسحل، وكما قال ابن خلدون متنبأ بمستقبل الأمة بأن مصير الفكر والسياسة في التاريخ الإسلامي مرهون بالقوة ومرتبط بالقهر، وعلى الضفة الأخرى من العالم يكمن الحكم البابوي وعصور الظلام التي شاعت فيها محاكم التفتيش والحملات الصليبية، والحقيقة المُرّة بأننا مازلنا بالعصور المظلمة رغم كل التحضر، فما زلنا نعيش هذه الحروب ونتذَوُّقُ ويلاتها، وإني أجزم بأنها لن تنتهي لأنها صراع الإنسان مع لنفسه بحثا عن الكمال! وهي، أي الحروب، كانت مذ قتل الأخ أخيه (قابيل وهابيل)، فأكرر بأن العنف والدم لسان التاريخ البشري إن نطق ومغمور في حنايا الدهر إلى أبد الدهر، فلا عجب بأن لا يغيب عن بالي قول ابن ادريس "الشافعي" : وليس الذئب يأكل لحم ذئب … ويأكل بعضنا بعضا عيانا.

ومن هنا فإني أعتقد بأن الإنسان عندما يكون صاحب الحرب وانضم فيها من دون سبب شرعي بالتأكيد فهو "أحون من الحيوان"، لأننا في الحقيقة الجنس الوحيد الذي يقتل نفسه! فيقتل الأخ أخيه من دون سبب مقنع! ويتحرّاها الحيوان فلم يحصل بأن يقتل الأسد أسدا أو الذئب ذئبا! فهل لك يا صاح أن تتصور السوداوية في التجربة الإنسانية؟ حرق وشنق وجنق، ودماء وأشلاء، وأطفال مشرّدون ونساء، شعوب تدمر وشعوب تظفر… ويبقى السؤال مطروحا متعطشا للجواب يرويه… لِم كل هذا؟ وعلام؟

كأننا نعيش فيإحدى قصائد أبي الماضي نصدر الأنين والنوح واللاأدرية:

 

وطريقي، ما طريقي؟ أطويل أم قصير؟

هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور

أأنا السّائر في الدّرب أم الدّرب يسير

أم كلاّنا واقف والدّهر يجري؟

لست أدري!

أتراني قبلما أصبحت إنسانا سويّا

أتراني كنت محوا أم تراني كنت شيّا

ألهذا اللّغو حلّ أم سيبقى أبديّا

لست أدري… ولماذا لست أدري؟

لست أدري!

 

إن أرسطو وأفلاطون يتفقان على أن الطغيان ينبثق من الصراع بين الأغنياء والفقراء، وكم أشبه هذا القول ببروليتارية ماركس، إن مشكلة التاريخ ليست بأنه يسير عبر تفاوت القوى بين الطبقات أو المجتمعات ككل، ولا يسير عبر الأبطال الذين يجرون عربته مثلما نظر افلاطون، إنما مشكلة التاريخ هو سعي الإنسان إلى الكمال المكذوب وعلى ما تنطوي عليه النفس البشرية، وحري بنا أن نبدأ من الشجرة، ففي تلك الشجرة ونتائجها وما خلفته العديد من النوازع والإحساسات التي تشوب النفس.

فالزمان وإن كان منفصلا عن المكان في نسبية آنيشتاين إلا أنه ملتصق بالإنسان، بل هو الإنسان، فهو مرتبط بأفعاله ووعيه فيتأثر الأول بالثاني والعكس صحيح كما في منطق الرياضيات العام، أي أن نتيجة المعادلة واحدة، فمن الشجرة نلتمس بأن في الإنسان حبا للمجهول وللغيب، حب للطمع يغمره الجشع والاستبداد والحكم، وشيء من الخوف، فهذه الصفات تنعكس كالمرآة السجنجل على حركة التاريخ والمجتمعات، فتلقاه يتمنى لو يملك الأموال والذهب والفضة والنساء ويتمنى لو يعمر ألف سنه ويتمنى لو يملك هذا وذاك ، ويصارع الآخر لأن الآخر يريد ما يريده هو، فتنشأ لعبة الطبقات بالمجتمع، وتزلف الحروب بين الأمم ، كل يريد هذا لنفسه، فيعمينا الشر وتصمنا المغريات وتبكمنا الأماني، فيرمسنا الزمن، لذلك فالنفس أمّارة بالسوء ، قال تعالى : "قتل الإنسان ما أكفره"، لأنها إلى الشر اقرب متى أعدّت العذر له كما عبر الجاحظ عن هذا، فهل نحن بشر أم مجرد كثافة زائدة؟ لا أدري، هل الشر ينبع منا؟ لا أدري، هل فُطرنا على الخير حقا؟ لا أدري.

قال كارل ماركس: "لو كانت هذه هي الشيوعية فأني لست بشيوعي"، وأقول أنا: لو كانت هذه هي الإنسانية فإني لست بإنسان.

لكني أدري بشيء واحد بالنهاية وهو إني إنسان فلأني إنسان فإني مخلوق جميل، لأني إنسان أخطئ وأندم ، لأني إنسان أبكي واضحك ، ولأني إنسان فإني أحب، ولأني إنسان فأنا مفطور على التضحية والحلم والترفع عن الصغائر والصفح، ولأني إنسان فلا أحمل في قلبي الكره والغضب وما أجمل قول بن شداد:

 

لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب * * *  ولا ينال العلا من طبعه الغضب

ومن يكن عبد قوم لا يخالفهم  * * * إذا جفوه ويسترضي إذا عتبوا

 

لأني إنسان فإني أحب العيش والخير، لأني إنسان فإني خليفته على الأرض، قال تعالى: "وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا"، لأني إنسان… هكذا تكلم آدم.

 

 

Share and Enjoy:
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • email
  • Print
  • TwitThis
  • MySpace

Tags: , , , ,

8 Responses to “هكذا تكلم آدم”

Leave a Reply