حب الوطن “حقي مقي”
حب الوطن "حقي مقي"
محمد فايز المطوع
بولدر، كولورادو
ربما تكون عزيزي القارئ قد كتبت موضوع إنشاء في المدرسة المتوسطة يحمل نفس عنوان مقالي لهذا الشهر، فمنذ دخول الطالب النظام التعليمي في الكويت لا بد من أن يدرس أمرين، الأول أن الهدف من خلق البشرية هو عبادة الله وإعمار الأرض، والأخر هو حب الوطن، والذي يكون من خلال الدراسة والنجاح وحمل السلاح أثناء الحرب… إلخ، إلا أنني وجدت معنى حب الوطن يطاردني مجددا في الجامعة، فبينما كنت جالسا في صف بعنوان "الليبرالية ونقادها" أطال المدرس في الحديث، فهو من المدرسين الكبار بالسن ولا يحب الكتابة كثيرا، تعتمد طريقته في التدريس على الحديث لمدة ساعة وربع متواصلة، فلا أجد مفرا من اصطحاب الحاسوب معي في الفصل لكي أكتب مقالات لمجلتي العزيزة، أو أقرأ الصحف الأميركية والكويتية.
لكن في إحدى لحظات انشغالي بقراءة موضوع "يكدّر الخاطر" في جريدة كويتية خطف المدرس اهتمامي بواقعة حصلت في التاريخ الأمريكي، ولم يكن عليّ سوى أن أربطها بحادثة مماثلة وقعت في الكويت.
مفاد الحكاية الواقعية هو أنه تقيم هنا في الولايات المتحدة الأميركية أقلية دينية تطلق على نفسها إسم "Jehovah’s Witnesses"، وهي أقلية دينية، منبثقة من الدين المسيحي، وأتباعها يُقدّرون بسبعة ملاين شخص، تترقب هذه المجموعة نهاية العالم بحرب كبيرة مدمرة يخرج المسيح من بعدها للعيش في الجنة مع 144 ألف من أتباعه، ومن مبادئ هذه المجموعة أنها لاتخدم في الجيش ولا تقبل نقل الدم حتى في الحالات الخطرة، كما أنها ترفض تحية العلم والاحتفال بعيد المسيح وأعياد الميلاد لكونها بدعا وثنية، كما أنها تسعى للحد من مخالطة بقية المجتمع لكونه تحت تأثير الشيطان!
وفي عام 1935 تم فصل طالبين من المدرسة لرفضهم تحية العلم الأمريكي لكون ذلك يتعارض مع قناعاتهم الدينية المشروحة أعلاه، فاعترض الطلبة وِأهاليهم على هذ الاقرار واستعانوا بالمحاكم المحلية التي نقضت قرار المحكمة، فقامت المدرسة برفع دعوى في المحاكم الفيدرالية لكنها خسرتها على أساس تعارضها مع مبدأ احترام الأديان، فقامت المدرسة برفع الدعوة للمحكمة الدستورية العليا، والتي بتت في القضية في عام 1940 ، وصدر الحكم بصحة فصل الطلبة لأن الوضع العام للبلد يحتم تعزيز الوطنية، ويحتم القرار بأن تحية العلم عملية مدنية ليس لها صلة بالدين، وأن رغبة المدرسة في تعزيز الوطنية كافية لفرض التحية.
لكن في عام 1943 تراجعت المحكمة عن قرارها وأكدت أن الدستور الأمريكي يقضي باحترام الأديان وعدم تشريع أي قانون ضد أقلية دينية، كما قال أحد قضاة المحكمة الدستورية الذين غيّروا وجهت نظرهم في الفترة ما بين الحكمين: "الكلمات التي نُطق بها تحت الإكراه لا تثبت الولاء لشيء سوى المصلحة الذاتية"، مشيرا إلى عدم جدوى إجبار الطلبة على تحية العلم إذا ما لم يريدوا هم أنسهم ذلك.
فلنعد للمدرس والمحاضرة، والتي قام فيها المدرس منذ اليوم الأول بتعريف الليبرالية بأنها نظام فكري يؤمن بأن واجب الحكومة الأساسي هو حماية حياة الفرد وحرياته، وبأن تكون الحكومة ذات نفوذ محدود يقتصر على قوانين تضمن للفرد حياة كريمة وتكفل له كافة حرياته، ومن ضمنها حرية العقيدة، وإن كانت تحتم عليه عدم تحية العلم، وهذا النظام الفكري معروف بالليبرالية الكلاسكية، ومن خلال هذا التعريف، يتضح أنه من واجب الدولة الليبرالية احترام عدم تحية العلم.
السؤال هو كيف للدولة أن تنمّي الحس الوطني إذن؟ فيأتي الرد من أحد القضاة الذين غيروا رأيهم في قضية تحية العلم الأميركية بالقول: "حب الوطن يجب أن ينبع من قلوب وعقول راغبة حرة، مستوحاة من إدارة عادلة وقوانين حكيمة يسنّها ممثلوا الشعب المنتخبين في حدود الأطر الدستورية"، فالحس الوطني وتنمية المجتمع تأتي من خلال نظام مبني على العدالة والمساواة، النظام العادل هو وحده الذي يكفل حرية ممارسة العقائد الدينية ومن خلاله تتم تنمية حب الوطن.
لكن ما هو دور الشخص الذي كفلت له الدولة حق العقيدة وعدم تحية العلم تجاه وطنه؟ يقول جون ستيوارت ميل، أحد أعمدة الفكر الليبرالي الكلاسكي، أنه على هذا الشخص أن لا يتعدى على حريات وحقوق الغير في المجتمع، حتى إن كانت زوجته أو أبنائه الذين بلغوا سن الرشد، فكما صانت الدولة حقوق الشخص في الحياة والحرية في التصرف والكلام والعقيدة فإن على هذا الشخص أن يصون حقوق بقية أعضاء المجتمع في الحياة والحرية.
إن العبرة من طرح مثل هذه القصص التاريخية ومناقشتها هو أن نستفيد من تجارب الدول والأنظمة الاجتماعية الأخرى، فلا داعي لأن نأخذ الأمور دائما بعاطفية ونتشبث بآراء هي في الحقيقة متناقضة أو غير منطقية، وذلك لا يقتصر على وجهة نظر واحدة، بل يمكن أن تكون لدى المحافظين كما هي لدى التقدميين، المهم في الأمر هو أن نضع كل ممارسة اجتماعية "سيئة" في إطارها الصحيح، ونحاول تقديم أفضل علاج لها على أساس من المنطقية والصراحة في الطرح، فلا جدوى من التسرع في النقاش أو التعصب للرأي، للأننا إن كنا فعلا مؤمنين بالحرية فإن علينا أن نسمع مختلف الحجج والآراء، ومن ثم نحكم عليها بالصواب أو الخطأ ونححد آلية معالجة الخلل.
Tags: اللبرالية, تحية العلم, حب الوطن, محمد فايز المطوع


