Login Subscribe

على هدير ال”بوسطة”

 

 على هدير ال"بوسطة"

 

محمد فايز المطوع

بولدر، كولورادو

 

عندما شاهدت فيلم "حسن ومرقص" أصبت بإحباط شديد لاستخدام المخرج والكاتب أسلوبا تبسيطيا جدا لمناقشة قضية الطائفية في مصر، وظننت أنه لا يمكن لفيلم عربي أن يقدم سيناريو متكامل يواجه قضايانا العربية بشكل مبتكر، حتى شاهدت الفيلم اللبناني "بوسطة"، و الذي غير قناعاتي عن الإبداع العربي.

 


وقعت عيناي على الفيلم وأنا أتجول في أحد المحلات في بيروت، وكنت أريد أن اشاهد الفيلم منذ عرض إحدى أغانيه على الفضائيات الغنائية، لكن لم يتسنى لي مشاهدته إلا مؤخرا. تم تسويق الفيلم على أنه إنتاج لبناني بحت، الأمر الذي سرعان ما يلفت انتباه المشاهد، ومن الواضح أن الفيلم موجّه للشعب اللبناني بشكل أساسي، ذلك لما فيه من لهجات جبلية صعبة بعض الشيء و لما يحتويه الفيلم من نكات من النادر أن يفهمها غير اللبنانيين، إلا أنه بالرغم من ذلك يظل الفيلم مفهوما ومسليا.

يروي "بوسطة" حكاية سبعة أصدقاء تجمعوا لإحياء فرقة لرقص الدبكة اللبنانية، وذلك بعد أن كانت الحرب الأهلية قد فرّقتهم، يعود كمال من فرنسا ويبدأ بالاتصال بأصدقائة الستة ليجمعهم من أجل الرقص مجددا، لكنهم لا يؤدّون الرقصات التقليدية، بل يرقصون الدبكة "الجديدة والموديرن" على حد تعبير توفيق، وهو الذي احترف الرقص مدرسا بعد أن فرّقت الحرب المجموعة، أما خليل فهو متمسك بالدبكة التقليدية ويرفض الإضافات الجديدة التي يضعها أصدقائه، وبالنسبة لفيولا فهي ترقص من أجل إعادة شهرتها الضائعة، ويرقص عمر لكي يثبت وجوده، أما أرزه فهي ترقص لأنها تحب الرقص، وأخير عليا (البطلة) التي ترقص من أجل كمال، وأعتقد أن السبب الرئيسي في إختيار إسم "عليا" للبطلة هو أن الأسم مأخوذ من أغنية البوسطة للست فيروز .

بعد أن فرّقتهم الحرب يجمع كمال المجموعة وذلك بهدف المشاركة في مهرجان عنجر للدبكة، إلا أن المسؤول عن المهرجان رافض لفكرة الدبكة "الموديرن" بسبب تمسكه بالعادات والتقاليد، وكثيرا ما يتذمر بأنه لم يعد هناك لبناني يتكلم العربية وكل اللبنانيات أصبحن شقراوات! لكن المجموعة تقرر التغلب على هذا الإحباط من خلال القيام بجولة لإحياء الحفلات في مختلف الضواحي اللبنانية، فيقدم لهم العم محمود مبسوط حارس مدرستهم القديمة "البوسطة" (أي الحافلة) القديمة التي كانت تنقلهم إلى مدرستهم قبل 17 سنة لكي يتجولوا بها، ولـ "البوسطة" هنا كناية واضحة عن "بوسطة" عين الرمانة التي كانت الشرارة التي أشعلت الحرب الأهلية عام 1975 ، وذلك بعد استهداف ركاب الحافلة الفلسطينين بالرصاص من قبل محسوبين على المليشيات المسيحية.

 


 

تبدأ أحداث الفيلم في مدرسة عالية النموذجية، وهي مدرسة أسّسها والد كمال في محاولة منه لجمع كل الشرائح اللبنانية والتغلب على الطائفية، إلا أن والد كمال يعجز عن ذلك ويٌقتل أمام الأصدقاء السبعة نتيجة طرد ملغوم، وفي أحد أقوى مشاهد الفيلم يحاول كمال أن يفتح باب الكافيتيريا حيث قُتل والده لكنه يفشل، وفي ذلك رسالة واضحة إلى عدم التشبث بالماضي، خصوصا ماضي لبنان الملوّث بدماء الحرب، بدلا من ذلك يقدم الفيلم "البوسطة" كمثال على لبنان المصغر، حيث يجتمع فيه سبعة أصدقاء من مختلف الطوائف والأديان ليطوفوا ببلدهم.

وفي "البوسطة" سرعان ما يتضح وجود حب من طرف واحد من عليا تجاه كمال، واللذان جسّداهما الممثلان رودني حداد ونادين لبكي بصورة واقعية ومتاكملة، كما تظهر علامات على وجود علاقة سابقة بين فيولا وخليل، إلا أن رفض أهل خليل زواجهما، بسبب كون فيولا من الطائفة المسيحية، قد فرّق بينهما.

تنتقل المجموعة بجولاتها ما بين بيروت وريحانة وبعلبك وجونيا، وختاما عنجر، وفي كل مكان يرقصون فيه تكبر شعبيتهم على الرغم من رفض "خِتياريّة" المنطقة قبول أسلوبهم في الرقص، رافضين أثر الحداثة على الدبكة الأصلية، وهنا علامة على أحدى أهم رسائل الفيلم والمتمثلة بالدعوة إلى تقبل التطور والحداثة وعدم التعذر بالماضي، فلن يؤدي ذلك سوى لعرقلة لبنان المبعوث من جديد.

تظهر الأسطورة الشحرورة صباح في مشهد بسيط من الفيلم وهي تؤدي إحدى أغانيها الفرنسية في مهرجان ريحانة، كما للمطربة رويدا عطية دور ثانوي وصغير هو دور زوجة خليل، ولعل في ذلك محاولة جيدة من السينما العربية للاستفادة من فكرة ضيوف الشرف في الأفلام.

الفيلم استعراضي وغنائي إلى حد ما، لكن ليس بالمفهوم الغربي للأفلام الموسيقية، بل هو أقرب إلى أفلام عبدالحليم وفاتن حمامة، عندما يروي عبدالحليم مشاعره من خلال أغانية في الفيلم، وذلك كان واضحا من خلال أداء نجمة برنامج سوبر ستار عبير نعمة أغاني لشخصية عليا، من الجدير بالذكر أن الفيلم هو من الأعمال السينمائية القليلة التي طورت شخصياتها بشكل متكامل، ولم تترك مساحة للغموض السلبي حول أي من مكونات الشخصيات الرئيسية.

الفيلم من إخراج وتأليف وإنتاج فلييب عرقتنجي، وهو لبناني عاد للبنان بعد سنين طويلة في المهجر، كما للمخرج أكثر من أربعين فيلما وثائقيا من إخراجه، وفيلم "بوسطة" رغم ميزانيته المحدودة تم تصويرة بتقنية متطورة ودرجة عالية من الوضوح، تم التصوير خلال خمسين يوما وتم عرض الفيلم في عام 2005 بالصالات اللبنانية، وظل في المركز الأول في لبنان للعامين 2005 و 2006 متغلبا على كافة الأفلام الأميركية في لبنان، كما تم عرضه في أكثر من عشرين دولة أبرزها الولايات المتحدة واليابان.

 

Share and Enjoy:
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • email
  • Print
  • TwitThis
  • MySpace

Tags: , , ,

Leave a Reply