Login Subscribe

انقراض الحبر الأسود

 

انقراض الحبر الأسود

المحرر الثقافي

 

newspaper

 

يبدو أن دور الصحف لم يعد يقتصر على نقل الأخبار عن الأزمة الاقتصادية، بل باتت المؤسسات الصحافية ذاتها تعاني من الكساد المالي، فالصحف المطبوعة حول العالم- وخاصة في الغرب- باتت تعاني جديا من خسائر ضخمة جرّء ضعف التوزيع واختفاء القارئ الوفي، والذي كان سابقا يضمن دخلا ثابتا للصحيفة، والأسباب عديدة لكن أهمها الأزمة العالمية أولا، وتأثير الإنترنت الخطر على الصحف المطبوعة ثانيا.

المؤسسات الصحافية في العالم عموما، وفي الغرب خصوصا، باتت أشبه بالشركات التجارية، حيث تكون لها خطة للبيع والربح وتحقيق العوائد ما أمكن، مما يعني بأن المؤسسة الصحافية سوف تستثمر الفائض من الأرباح إن وُجد إما في تطوير الصحيفة أو في قنوات استثمارية خارجية، والخيار الأخير بالتحديد هو السبب الأساسي الذي جعل المؤسسات الصحافية عرضة للتأثر من التقلبات في الاقتصاد المحلي أو العالمي، وهو ربما ما يفسر إفلاس صحف رئيسية هنا في أميركا مثل الـ Los Angeles Times والتي اشترتها الـ Tribune Company ، وهو ما أجبر أيضا صحيفة مرموقة مثل الـ New York Times على رهن مقرها الرئيسي في قلب نيويورك كضمان للحصول على مزيد من التمويل البنكي من أجل الاستمرار في الصدور.

لكن الأزمة الراهنة للصحافة المطبوعة لم تبدأ مع النهيار الاقتصادي الحالي وإن كانت اشتدت معه، بل بدأت المصاعب مع كسب الإنترنت للمزيد من المستخدمين والذي باتوا يحصلون على أخبارهم منه، والسبب واضح: معظم مواقع الأخبار في الإنترنت مجانية بينما الصحف تتطلب اشتراكات، كذلك فالإنترنت كما التلفاز لديه القابلية أن ينقل الأخبار أولا بأول فلا ينتظر ليقدم المواد مع قهوة الصباح، الإنترنت إذن يقدم أجدى اقتصاديا من الصحف وأكثر فاعلية منها، وهو ربما ما يفسر نجاح مواقع إخبارية على الإنترنت حتى على حساب قنوات التلفاز، ومثال على ذلك موقع Politico الإخباري الشهير.

لكن الأهم من أسباب مشاكل الصحافة المطبوعة هو تداعيات اختفائها عن الساحة الإعلامية، والتي من أهمها خطر تركز وسائل إعلامية مثل الصحف في يد حفنة محدودة من الأشخاص الأثرياء أو الشركات الكبرى، وهما اللذان يستغلان الضوائق المالية للانقضاض على الصحف وشرائها مهددين بذلك مهنية الصحف واستقلاليتها، ومعلوم بأن الصحف عادة في أوروبا وأميركا الشمالية مملوكة للعاملين فيها أو لهم الحصة الأكبر فيها، وبالتالي يضمن العاملون في الصحيفة سياسيتها، أو هي مملوكة لعوائل عريقة في مجال الصحافة (كما أيضا في الكويت ولبنان) درجت على عدم التدخل في سياسية صحفها إلا في ما ندر، وعادة بعد مواجهات شرسة مع العاملين فيها.

 

newspaper-32

وربما كان مثال صحيفة الـ Wall Street Journal مثالا دالا على التحول المقصود، والتي انتقلت ملكيتها اعتبارا منذ عامين من إحدى العوائل الصحافية إلى شركة News Corp. المملوكة بدورها للثري الأسترالي الأصل روبرت موردوخ، وذلك بعد صفقة ضخمة بلغت 60 دولار للسهم الواحد الذي سعره في السوق حينها لا يتعدى 35 دولارا فقط! فتأكد بذلك موقع موردوخ كابمراطور للإعلام العالمي، حيث ضم الصحيفة الاقتصادية المعروفة إلى باقة أدواته الإعلامية التي من أشهرها صحيفة Times في لندن والـ New York Post وقناة Fox التلفزيونية، علما بأن الأخيرين هما من أكثر وسائل الإعلام اانحيازا لليمين المحافظ، وهو للمصادفة نفس توجه المالك موردوخ!

ومن جانب آخر أيضا فتركز الملكية في يد عدد محدود من المُلاك والذين حتى لو لم يتدخلوا في سياسية الصحيفة الإدارية لا يزال يعني تقلصا في هامش الخيارات الصحافية، فحتى وؤخرا كان بإمكان أي مجموعة مهتمة من المثقفين أو الأحزاب السياسية أو المؤسسات المدنية إصدار صحفها الخاصة، وهو ما كان يعني تنوعا كبيرا في توجهات الصحف والمواد التي تختار كل صحفها أن تبرزها وتنشرها، لكن مع إفلاس هذه المشاريع الإعلامية الصغيرة تباعا وبصوت خافت بات من الصعب خلق التنوع الإخباري الذي كان معكوسا سابقا، وتكفي محاولة لإيجاد صحيفة يومية حمراء اشتراكية أو يمينية متعصبة لتثبت بِأن ذلك بات ضربا من الإعجاز إلا في بعض الدول الأوربية ربما، وحتى هذه الصحف تُضطر كثيرا للاندماج مع مطبوعات أخرى لضمان عدم انقطاعها عن الحياة.

وأخيرا يبقى عنصر أخير سوف يُفتقد بالتأكيد جراء اختفاء المؤسسة الصحافية وهو الصحافي التقليدي، والذي لا تنحصر وظيفته في نقل الأخبار بل في صنعها والتنقيب عنها، والتاريخ الصاحفي حافل بكتاب وصحافيين أمضوا أسبيع وشهورا يتابعون خيطا ضعيف علّه لاحقا يقودهم لتحقيق سبق صحافي، ونادرا ما يوجد مثل هذا الكائن المكافح في مواقع الإنترنت الإخبارية أو التلفزيونية، وهو ربما ما يفسّر واقع أن أهم التقارير الصحافية ذات المحتوى المهم لا تزال تُنشر في الصحف والمجلات الرصينة بدل وسائل الإعلام الجديدة، هذا لا طبعا بأن مستقبل الصحافة والعمل الإخباري حالك وبائس، لكنه يشير إلى أن انتشار المعلومة وسهولة الحصول عليها لا يعني بالضرورة أن الحقيقة أصبحت أقرب للباحث، كذلك يعني بأن من كان يكره الاضطرار لغسل اليدين بعد قراءة الصحف ذات الحبر الرديء سوف يُسر للتتطورات، بنما من كان يستمتع بذلك لا بد سيفتقد طقسا ظريفا من الطقوس اليومية المميزة.

 

 

Share and Enjoy:
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • email
  • Print
  • TwitThis
  • MySpace

Tags: , , , , , , , , , , , , , , ,

Leave a Reply