عندما تغيب الرؤية
عندما تغيب الرؤية
ماجد أحمد الهملان
جامعة دنفر
دنفر، كولورادو

تاريخ الأمم
يتيح لنا التاريخ قراءة أمثلة عديدة ومعرفة نماذج مديدة لدولٍ كانت تعاني العجز بكل أنواعه والتخلف بكل أشكاله حتى وضعت حداً لكل تلك المعاناة ورسمت لنفسها طريقاً تمكنت فيه من تجاوز كل المعوقات والسير قدماً نحو إصلاحاً شامل تضمن كل قطاعات البلد، كان لديهم النظرة والعمل الجاد نحو غاية معينة مكنتهم من الفوز بجدارة في سباق تقدم الأمم، وها هو الإنسان في تلك البلدان ينعم بكل ما أتاحت له بلاده من حاجات ضرورية للحياة المعززة ومن أبرز تلك الأمور هي الراحة والطمأنينة بأن هذا النظام مستقر وغير قابل للتغيير لمجرد إنخفاض أسعار النفط أو تهديده بالزوال لسبب من الأسباب، هناك العديد من الدول التي وقفت وقفة جدية لضمان المسقبل الأفضل لشعوبها نحو المزيد من الأسقرار بجميع أنواعه، لنأخذ اليابان على سبيل المثال فهي نموذج جدير بالدراسة والأخذ بعين الأعتبار، لقد مرت اليابان بالعديد من الأزمات في تاريخها المعاصر، فقد خرجت من حرب طاحنة دمرتها وحملتها خسائر جسيمة لمواردها سواءً البشرية أوالمادية.
إذن لنقل أنها بدأت دون الصفر لتحقيق رؤية لم تطمح لجني ثمارها لأيام أو سنوات قصيرة بل على مدى عقود من الزمن، لقد إستثمرت اليابان في مورد غير زائل وهو الأنسان ووضعت التعليم كأهم وسيلة من خلالها تضمن للبلاد الأسقرار بكل أشكاله المعروفة، فها هي الآن تنعم بإقتصاد متين وبنية تحتية قوية وإنسان واعِ مدرك ما هو واجبه تجاه بلده، فبعد عمل ومثابرة على امتداد سنوات طويلة خرجت اليابان إلى العالم أجمع لتكون عميدة الصناعات العالمية و من أهم المصدرين لشتى بقاع الأرض، وهناك العديد العديد من النماذج الآخرى لدول نجحت في اختبار البقاء والتقدم من أمثلتها كوريا الجنوبية وسنغافوره وماليزيا، وفي المقابل لم نفتح كتب التاريخ لنعرف نماذج آخرى لدول كانت تحضى بموارد زائلة لم تستغل فرصتها لتقويم اقتصادها ووضع بديلٍ لمواردها الزائلة فها هي الآن تعاني العجز وتفتقر من الموارد، وباتت تعاني من مشاكل البطالة وفقدان الإستقرار وعدم ضمان البقاء.
مشروع دولة
لنأخذ الكويت بنظرة مغايرة ونفكر بالموضوع من زاوية مختلفة تماماً، ولنطرح بعض الأسئلة على أنفسنا وهي كيف بدأت الكويت كدولة؟ ومن أين توافد شعبها؟ وهل هناك طريق أو مسار معين لنا في هذه البلد؟ قد تكون بعض الإجابات لها مدلولات خطيرة لو اعدنا النظر إليها من جديد، مما عرفناه من التاريخ القريب أن الكويت كانت أرض شبه معدومة السكان وقد توافد إليها الناس بين الثلاثة قرون السابقة لأسباب أهمها هو البحث عن حياة أفضل، وقد استمرت الحياة على نحو معين حتى النصف الثاني من القرن العشرين عندما وضعت بعض القوانين التي تنظم سير البلد وتم ترسيخ بعض الحقوق ووضع الأساسات لمشروع الدولة الحديثة.
لكن هنا يأتي السؤال الأصعب هل كانت هناك توجهات أو حتى تفكير جاد لمسألة ضمان البقاء كدولة لا يهددها في ذلك مصدر أو مورد معين؟ وإن كانت هناك أفكار عن هذا الموضوع فهل تم إتخاذ أية خطوة جادة نحو هذا الموضوع؟ لقد أضاعت الكويت الكثير من الفرص لبناء اقتصاد متين يضمن لهم البقاء دون الإعتماد على اقتصاد المصدر الواحد وهو النفط، ولازالت النظرة الجدية شبه معدومة لمثل هذه القضايا الحساسة، بل وفقدنا الرؤية نحو المستقبل البعيد وحتى القريب، ولم نعد قادرين على النظر إلى الأمام والتخطيط نحو غاية معينة أو طريق يوصلنا إلى هدف الدوام كدولة لا تقوم على مصدر زائل يهددها باستمرار، وكذلك يزيح الاحتمالات في أن تكون الكويت مجرد محطة إنتقالية بين أزمنة مختلفة، ولو نظرنا إلى تاريخ الكويت وخصوصاً مرحلة ما بعد التحرير التي هي ليست بالقصيرة سنجد أنها تخلو من أية إنجازات تُذكر، بل وبات الوضع يضطرب عاماً بعد عام حتى أصبحنا في حال يرثى له، تشير جميع المؤشرات إلى أن الرؤية غائبة تماماً نحو المستقبل لا يوجد أية تخطيط جاد على المدى البعيد فحدود النظر تقتصر على بضع أشهر أو ربما لسنوات محدودة.
![]()
.jpg)
أزمة سياسة
من الواضح أن الكويت تعاني من أزمة سياسية في السنوات السابقة وحتى الآن مما جعلها تتوقف تماماً عن أية نوع من أنواع التنمية في البلاد، لقد أصيبت البلد بشلل أدى إلى فقدان الرؤية تماماً والإنشغال بقضايا هامشية لا تسمن ولا تغني من جوع، ولكن قد يتسائل البعض عن الأساس في نشوء هذه الأزمة وعن الأسباب وراء مشكلة المشاكل في البلد، قد نسمع من مصادر عديدة وأحاديث من كل مكان عن تلك الأسباب لنجد البعض يشخص المشكلة بأنها عدم التعاون بين السلطتين وكذلك أسباب مثل الفساد الإداري وعدم تطبيق القانون والواسطة والكثير الكثير، ولا أعتقد أنها مشاكل توجهها البلد بل هي نتائج كانت متوقعة لأداء سياسي ضعيف للغاية، لا يوجد خبراء سواء في السياسة أو حتى في الاقتصاد إلا العدد الزهيد، نفتقر في الكويت إلى أشخاص وظيفتهم هي دراسة الأوضاع ووضع أسباب لتلك المشاكل والأمر الأهم هو رسم خطط مستقبلية للتحديات القادمة.
يجدر بنا أن نذكر ظاهرة شائعة جداً في الكويت وهي أن الجميع هم خبراء في السياسة، نسبة غير عادية من الشعب تتكلم عن تلك المشاكل وتضع حلولها لجميع القضايا في البلد، وأعتقد أن نسبة كبيرة منهم تحصل على ثقافتها السياسية من منشورات الجرائد ومن أنتشار الأحاديث هنا وهناك إذ أن الوعي غائب والجميع خبراء في السياسة، ويؤسفني القول بأنها ظاهرة غير صحية أبداً على مستوى البلدان التي تتوفر لديها النظم الديمقراطية الناجحة التي قد لا نرى هذه الظاهرة لديهم، ولو أمعنا النظر إلى واقع الكويت قد تكون هذه الظاهرة هي من أحد الأسباب وراء نوعية نواب المجلس التي يفتقر أغلبهم إلى أبسط مبادئ العمل السياسي والخبرة اللازمة، إذن الشعب هو من أتى بهم إلى البرلمان لكنهم بعد فترة وجيزة يصدمون بأن توقعاتهم لم تكن صحيحة والمجلس لم يؤدي ما يطمحون له من إنجازات، قد تكون هذه الظاهرة جزء من المشكلة الأساسية وهي فشل الأداء السياسي والتي ينتج عنه توقف عن تنمية البلد وصرف النظر عن التحديات المستقبلية، يكمن السبب الآخر والأهم في السلطة التنفيذية التي سوف نتطرق لها فيما بعد.
حكم القوي على الضعيف
من المؤكد أن القارئ سوف يتساءل عن القوي والضعيف في العنوان، ولو أمعنا النظر إلى الساحة البرلمانية في الكويت سنجد أن النواب يلعبون دور القوي بكل ما يمتلكون من تسلط وجشع وهيمنة، وبالطبع سوف تحل الحكومة دور الضعيف المستكين الذي لم يسلم من قسوة المجلس، أعتقد أن دور القوي لم يأتي إلا من ضعف الضعيف،إنها ظاهرة خطيرة جداً وهي ضعف الحكومة وسذاجة ممارستها، وقد تكون السبب وارء تعطل العديد من الأمور وهي أنها تفتقد إلى خطط أو مسار معين للبلد، إذا إفتقدنا المسار كيف لنا أن نرجو مستقبل للكويت، لا أعتقد بأن المجلس هو أساس التأزيم فهو يمارس دوره ويستخدم سلطاته بغض النظر عن نيته بها، فالبعض يطرح القضايا للتكسب الإنتخابي والبعض الآخر يستجوب لأسباب إنتقامية أو تكسبية، ولكننا لا نستطيع أن ننتقد أداة الإستجواب فهو حق دستوري للنواب.
إذن ما السبب وراء هذا الكم الهائل من الإستجوابات؟ الجواب واضح كقرص الشمس وقت الظهيرة وهو ضعف الحكومة، الحكومة هي عنصر أساسي وراء تقدم البلدان فصلاح الحكومة يساوي صلاح البلد، إذن دعونا نفترض بأن الحكومة قوية وعازمة على التغيير ولنفترض ما هو مدى هذا التغيير على البلد، إذا طمحت الحكومة للتغيير إذن سوف تبدأ بتطبيق القانون بصرامة، وسينعكس ذلك بالايجاب على البلد إذ سوف يقضي على العديد من الظواهر أحدها الواسطة والرشاوي وستبادر بإصلاح قطاعات التعليم والصحة وغيرها، والأهم من ذلك هو وضع مسار معين وخطة على المدى البعيد، ولو كان هذا الإفتراض واقعياً سوف نرى أن عدد الإستجوابات سوف يقل بشكل ملحوظ، لن يتجرأ نائب لتقديم إستجواب إلا عندما يحسب ألف حساب قبل تقديمه، ولن تكون محاور الإستجواب على أمور غير منطقية، ولن يحمل النائب اللوم للوزير على أمور لا تمت بأية صلة بإختصاصته، من المؤسف أن هذه الإفتراضات بعيدة كل البعد عن الواقع.
![]()
رؤية مستقبلية
أننا نمر في مرحلة لا نحسد عليها ولا أظن أننا سوف نصل إلى حال أسوء مما نمر به الآن، لقد أضعنا الكثير من الفرص في السنوات السابقة لبناء إقتصاد متين وليس الإعتماد الكلي على النفط أو حتى تقليل الإعتماد عليه، سوء الممارسة السياسية والتأزيم اللامحدود هو المسبب في وقوف البلد، لم نستفيد من إرتفاع أسعار النفط في السنوات الماضية ومن دخول مليارات الدنانير إلى الميزانية دون تحقيق إية إنجازات، بل وظلت الحكومة تساوم الشعب على مسألة إسقاط القروض وتوزيع المئة دينار على كل كويتي، هل هذا هو الإستثمار الحقيقي لصالح الكويت؟ يجب الوقوف وقفة جدية تجاه هذا الوضع المزري سواء من قبل الحكومة أو على كل فرد يعيش على هذه الأرض، جميعنا يمتلك القدرة بجزء معين من التغيير، نحن من يمتلك القدرة في إختيار نواب المجلس القادم، ولدينا الطاقات اللامحدودة والكوادر البشرية المذهلة، لا مجال لتضييع المزيد من الوقت ولا مساومة على مستقبل الكويت الذي هو مهدد بالكثير من التحديات المستقبلية.
أعتقد أنها ضرورة حتمية أن نضع لأنفسنا رؤية مستقبلية على مدى عقود من الزمن، وأول خطوة نحو هذا الإصلاح الشامل الذي لا نطمح لقطف ثماره في يوم وليلة بل لعشرات السنين وهو التعليم الذي هو حجر الأساس نحو التقدم، وقد لا يعلم البعض أن الكويت من أكثر الدول التي تنفق على القطاع التعليمي ومن أقل الدول التي تنعم بمخرجاته، وللأسف أن نوعية المناهج التلقينية اللانقدية شبه معدومة المخرجات، فإن أردنا شعب واعِ ومدرك يجب البدأ في الإستثمار في أهم مورد غير زائل وهو الإنسان أي إصلاح التعليم إصلاحاً جذرياً تخرج منه أجيال قادرة على السير نحو مستقبل أفضل، ولن يتم ذلك إلا بوجود رؤية مستقبلية، أننا مختلفون عن شعوب الدول المتقدمة في أنهم لا ينتظرون من بلدانهم أية شيء وبالمقابل ننتظر نحن كل شيء من الكويت وكأنه دين عليها، ونطالبها بكل شيء دون مقابل ونسأل أنفسنا ماذا ستحقق الكويت لنا أنما يكمن السؤال الحقيقي بماذا سوف نقدم نحن للكويت والمستقبل سوف يقدم لنا الجواب حتماً.
Tags: أزمة سياسية, الكويت, تاريخ الأمم, تحاد طلبة أميركا, حكم القوي على الضعيف, رؤية مستقبلية, سياسة, عندما تغيب الرؤية, ماجد الهملان, مجلس الأمة, مشروع دولة, نبراس




ya36eek el 3afya majed
khosh noq6a ee thikart’ha fe “7okm el qawi 3ala althi3eef”, gabil ma3ana kan fe fasad wayid akthar, ma7ad kan yfakir yistajwib raees el 7ikoma
wal7een 7ata hayif yistajwib
Allah ya36ek al3afya o5oy Majed, almaw’6o3 jeddi w yajeb et5ath qararat 7asmah 7ag mostaqbalna w mostaqbal alajyal alqadma