شاعر الحياة و الإرادة
شاعر الحياة والإرادة
المحرر الثقافي

مئة عام على قدوم أبوالقاسم الشابي إلى هذه الحياة التي لطالما تغزّل بجمالها وتغنّى بسحرها، يُعد الشابي من أهم شعراء القرن العشرين الذين أضفوا إلى الأدب العربي أعمالا يزخر بها التاريخ الحديث، وكانت له بصمته التي هي نقطة تحول للشعر العربي الفصيح، كان من أبرز المناضلين ضد الاستعمار ومن أهم من ناشدوا الشعوب للثورة ومحاربة ظلم المستعمر وطغيانه، ولكن الشابي لم يلبث أن غادر الحياة وترك للشباب الأمل وحب العيش عيش الأحرار.
أبوالقاسم الشابي (1909- 1934) هو شاعر تونسي ولد في مدينة توزر في تونس، تلقى تعليمة الأول في الكتّاب لفترة وجيزة ثم نقله والده إلى جامع الزيتونة الذي حصل منه على شهادة التطويع عام 1927 وهو في سن الثامنة عشرة، وبعدها بعام التحق الشابي بكلية الحقوق بمدينة تونس ونال الشهادة في العام 1930.
من الراجح أن الشابي كان يعلم بمرضه أثناء دراسته في جامع الزيتونة ولكن أعراض المرض لم تظهر بوضوح إلا في العام 1929، لقد نشأ أبوالقاسم وهو مصاب بمرض القلب وكان يشكو من انتفاخ في قلبه وتفتح غير طبيعي مما أدى إلى أن تسوء حالته في أعوامه الأخيرة، وفي التاسع من أكتوبر من عام 1934 خطف الموت الشابي بعد صراع مع المرض لكن ظلت روحه باقية تعلمنا أغاني الحياة وتزرع في الشباب بذور الحب والإيمان والنضال، ولازالت ذكراه خالدة ً في قلوب الكثيرين من بعده، وهو كثيرا ما يقارن بالشاعر الفرنسي رامبو لكنهما كلاهما توفيا عن سن صغيرة وتركا إبداعات عظيمة.
لقد أحب الشابي الحياة وتغنى بها، أحب الطبيعة وتغزل بسحرها، أحب كل معاني الجمال في هذا الكون، أحب الزهور والأشجار والمطر، ذهب بجسده وظلت ذكراه تحيي روحه العطرة على مر عقود من الزمن، لقد أنار طريق الشباب نحو الأمل وتركِ الضجر، ولكن المرض حتم عليه القعود وسرق الموت روحه وهو شابٌ يافع ابن الخامسة والعشرين، لقد تألم الشابي من مرضه وتأثر بوفاة والده وتحسر على شعبه فثارت تلك المشاعر والمعاناة لتبعث فيه طاقتاً سكبها أشعاراً تنادي إلى أسمى معاني الحياة.
من أبرز إبداعته الشعرية مطلع قصيدة "إرادة الحياة"الذي يدعو فيه الشعب للتسلح بإرادة الحياة والتحرر لتستجيب الأقدار له، وهذه قصيدة عظيمة ليس فقط بمطلعها ولكن بكامل متنها ، لذلك نسرد أدناه كامل القصيدة كدعوة لمقاومة الظلم والعدوان ونشر الحب والعمل نحو حياة خالية من اليأس تسودها الحرية.
إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر
وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر
وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر
فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الْحَيَاةُ مِنْ صَفْعَـةِ العَـدَم المُنْتَصِر
كَذلِكَ قَالَـتْ لِـيَ الكَائِنَاتُ وَحَدّثَنـي رُوحُـهَا المُسْتَتِر
*****
وَدَمدَمَتِ الرِّيحُ بَيْنَ الفِجَاجِ وَفَوْقَ الجِبَال وَتَحْتَ الشَّجَر
إذَا مَا طَمَحْـتُ إلِـى غَـايَةٍ رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر
وَلَمْ أَتَجَنَّبْ وُعُـورَ الشِّعَـابِ وَلا كُبَّـةَ اللَّهَـبِ المُسْتَعِـر
وَمَنْ لا يُحِبّ صُعُودَ الجِبَـالِ يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر
فَعَجَّتْ بِقَلْبِي دِمَاءُ الشَّبَـابِ وَضَجَّتْ بِصَدْرِي رِيَاحٌ
أُخَر وَأَطْرَقْتُ ، أُصْغِي لِقَصْفِ الرُّعُودِ وَعَزْفِ الرِّيَاح وَوَقْعِ المَطَـر
*****
وَقَالَتْ لِيَ الأَرْضُ – لَمَّا سَأَلْتُ : " أَيَـا أُمُّ هَلْ تَكْرَهِينَ البَشَر؟"
"أُبَارِكُ في النَّاسِ أَهْلَ الطُّمُوحِ وَمَنْ يَسْتَلِـذُّ رُكُوبَ الخَطَـر
وأَلْعَنُ مَنْ لا يُمَاشِي الزَّمَـانَ وَيَقْنَعُ بِالعَيْـشِ عَيْشِ الحَجَر
هُوَ الكَوْنُ حَيٌّ ، يُحِـبُّ الحَيَاةَ وَيَحْتَقِرُ الْمَيْتَ مَهْمَا كَـبُر
فَلا الأُفْقُ يَحْضُنُ مَيْتَ الطُّيُورِ وَلا النَّحْلُ يَلْثِمُ مَيْتَ الزَّهَــر
وَلَـوْلا أُمُومَةُ قَلْبِي الرَّؤُوم لَمَا ضَمَّتِ المَيْتَ تِلْكَ الحُفَـر
فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الحَيَـاةُ مِنْ لَعْنَةِ العَـدَمِ المُنْتَصِـر!"
*****
وفي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الخَرِيفِ مُثَقَّلَـةٍ بِالأََسَـى وَالضَّجَـر
سَكِرْتُ بِهَا مِنْ ضِياءِ النُّجُومِ وَغَنَّيْتُ لِلْحُزْنِ حَتَّى سَكِـر
سَأَلْتُ الدُّجَى: هَلْ تُعِيدُ الْحَيَاةُ لِمَا أَذْبَلَتْـهُ رَبِيعَ العُمُـر؟
فَلَمْ تَتَكَلَّمْ شِفَـاهُ الظَّلامِ وَلَمْ تَتَرَنَّـمْ عَذَارَى السَّحَر
وَقَالَ لِيَ الْغَـابُ في رِقَّـةٍ مُحَبَّبـَةٍ مِثْلَ خَفْـقِ الْوَتَـر
يَجِيءُ الشِّتَاءُ ، شِتَاءُ الضَّبَابِ شِتَاءُ الثُّلُوجِ ، شِتَاءُ الْمَطَـر
فَيَنْطَفِىء السِّحْرُ ، سِحْرُ الغُصُونِ وَسِحْرُ الزُّهُورِ وَسِحْرُ الثَّمَر
وَسِحْرُ الْمَسَاءِ الشَّجِيِّ الوَدِيعِ وَسِحْرُ الْمُرُوجِ الشَّهِيّ العَطِر
وَتَهْوِي الْغُصُونُ وَأَوْرَاقُـهَا وَأَزْهَـارُ عَهْدٍ حَبِيبٍ نَضِـر
وَتَلْهُو بِهَا الرِّيحُ في كُلِّ وَادٍ وَيَدْفنُـهَا السَّيْـلُ أنَّى عَـبَر
وَيَفْنَى الجَمِيعُ كَحُلْمٍ بَدِيـعٍ تَأَلَّـقَ في مُهْجَـةٍ وَانْدَثَـر
وَتَبْقَى البُـذُورُ التي حُمِّلَـتْ ذَخِيـرَةَ عُمْرٍ جَمِـيلٍ غَـبَر
وَذِكْرَى فُصُول ٍ ، وَرُؤْيَا حَيَاةٍ وَأَشْبَاح دُنْيَا تَلاشَتْ زُمَـر
مُعَانِقَـةً وَهْيَ تَحْـتَ الضَّبَابِ وَتَحْتَ الثُّلُوجِ وَتَحْـتَ الْمَدَر
لَطِيفَ الحَيَـاةِ الذي لا يُمَـلُّ وَقَلْبَ الرَّبِيعِ الشَّذِيِّ الخَضِر
وَحَالِمَـةً بِأَغَـانِـي الطُّيُـورِ وَعِطْرِ الزُّهُورِ وَطَعْمِ الثَّمَـر
*****
وَمَا هُـوَ إِلاَّ كَخَفْـقِ الجَنَاحِ حَتَّـى نَمَا شَوْقُـهَا وَانْتَصَـر
فصدّعت الأرض من فوقـها وأبصرت الكون عذب الصور
وجـاءَ الربيـعُ بأنغامـه وأحلامـهِ وصِبـاهُ العطِـر
وقبلّـها قبـلاً في الشفـاه تعيد الشباب الذي قد غبـر
وقالَ لَهَا : قد مُنحـتِ الحياةَ وخُلّدتِ في نسلكِ الْمُدّخـر
وباركـكِ النـورُ فاستقبـلي شبابَ الحياةِ وخصبَ العُمر
ومن تعبـدُ النـورَ أحلامـهُ يباركهُ النـورُ أنّـى ظَهر
إليك الفضاء ، إليك الضيـاء إليك الثرى الحالِمِ الْمُزْدَهِر
إليك الجمال الذي لا يبيـد إليك الوجود الرحيب النضر
فميدي كما شئتِ فوق الحقول بِحلو الثمار وغـض الزهـر
وناجي النسيم وناجي الغيـوم وناجي النجوم وناجي القمـر
وناجـي الحيـاة وأشواقـها وفتنـة هذا الوجـود الأغـر
******
وشف الدجى عن جمال عميقٍ يشب الخيـال ويذكي الفكر
ومُدَّ عَلَى الْكَوْنِ سِحْرٌ غَرِيبٌ يُصَـرِّفُهُ سَـاحِـرٌ مُقْـتَدِر
وَضَاءَتْ شُمُوعُ النُّجُومِ الوِضَاء وَضَاعَ البَخُورُ ، بَخُورُ الزَّهَر
وَرَفْرَفَ رُوحٌ غَرِيبُ الجَمَالِ بِأَجْنِحَـةٍ مِنْ ضِيَاءِ الْقَمَـر
وَرَنَّ نَشِيدُ الْحَيَاةِ الْمُقَـدَّسِ في هَيْكَـلٍ حَالِمٍ قَدْ سُـحِر
وَأَعْلَنَ في الْكَوْنِ أَنَّ الطُّمُوحَ لَهِيبُ الْحَيَـاةِ وَرُوحُ الظَّفَـر
إِذَا طَمَحَتْ لِلْحَيَاةِ النُّفُوسُ فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَـدَرْ
Tags: NUKS, NUKS-USA, أبو القاسم, أبو القاسم الشابي, إتحاد أمريكا, إتحاد طلبة أمريكا, إذا الشعب, إذا الشعب يوما, إذا الشعب يوما أراد الحياة, الإرادة, الحياة, الطلبة الكويتيين, تفاؤل, تونس, شاعر, شعر, نبراس



slt